ابن ميثم البحراني

205

شرح نهج البلاغة

وقوله : واللَّه لأسلَّمنّ ما سلمت أمور المسلمين . أي لأتركنّ المنافسة في هذا الأمر مهما سلمت أمور المسلمين من الفتنة . وفيه إشارة إلى أنّ غرضه عليه السّلام من المنافسة في هذا الأمر هو صلاح حال المسلمين واستقامة أمورهم وسلامتهم عن الفتن وقد كان لهم بمن سلف من الخلفاء قبله استقامة أمر وإن كانت لا تبلغ عنده كمال استقامتها لو ولى هو هذا الأمر فلذلك أقسم ليسلمنّ ذلك الأمر ولا ينازع فيه إذ لو نازع فيه لثارت الفتنة بين المسلمين وانشقّت عصا الإسلام وذلك ضدّ مطلوب الشارع ، وإنّما يتعيّن عليه النزاع والقتال عند خوف الفتنة وقيامها . فإن قلت : السؤال من وجهين : الأوّل : ما وجه منافسته في هذا الأمر مع أنّه منصب يتعلَّق بأمور الدنيا وصلاحها مع ما اشتهر منه عليه السّلام من الزهد فيها والإعراض عنها وذمّها ورفضها . الثاني : كيف سلَّم هاهنا خوف الفتنة ولم يسلَّم لمعاوية ولطلحة والزبير مع قيام الفتنة في حربهم . قلت : الجواب عن الأوّل : أنّ منصب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ليس منصبا دنيا ويّا وإن كان متعلَّقا بإصلاح أحوال الدنيا لكن لا لكونها دنيا بل لأنّها مضمار الآخرة ومزرعتها والغرض من إصلاحها إنّما هو نظام أحوال الخلق في معاشهم ومعادهم فمنافسته عليه السّلام في هذا الأمر على هذا الوجه من الأمور المندوب إليها إذا اعتقد أنّ غيره لا يغنى غناه في القيام به فضلا أن يقال : إنّها لا تجوز . وعن الثاني : أنّ الفرق بين الخلفاء الثلاثة وبين معاوية في إقامة حدود اللَّه والعمل بمقتضى أوامره ونواهيه ظاهر . وقوله : ولم يكن فيها جور إلَّا علىّ خاصّة . تظلَّم ممّن عدل بها عنه ، ونسبة لهم إلى الجور دون من استحقّها في أنظارهم . فأوصلوها إليه من ساير الخلفاء . وخاصّة نصب على الحال . وقوله : إليها التماسا لأجر ذلك . إلى آخره . التماسا مفعول له والعامل لأسلمنّ : أي ألتمس ثواب اللَّه وفضله بتسليمي وصبري